الشنقيطي
108
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقوله تعالى : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ، فيها تحريم المؤمنات على الكافرين ، والظاهر أن التحريم بالهجرة لا بالإسلام قبلها ، واتفق الجمهور على أنه إذا أسلم وهاجر أحد الزوجين بقيت العصمة إلى نهاية العدة ، فإن هاجر الطرف الآخر فيها ، فهما على نكاحهما الأول . وهنا مبحث زينب بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع زوجها أبي العاص بن الربيع . وقد كثر الخلاف في أمر ردها إليه هل كان بالعقد الأول ، أو جدّد لها صلى اللّه عليه وسلم عقدا جديدا ، ومن أسباب كثرة الخلاف الربط بين تاريخ إسلامها وتاريخ إسلامه ، وبينهما ست سنوات وهذا خطأ ، لأن قبل نزول الآية لم يقع تحريم بين مسلمة وكافر ، ونزولها بعد الحديبية وإسلامها كان سنة ثمان ، فيحمل على عدم انقضاء عدتها ، وهذا يوافق على ما عليه الجمهور ، ونقل ابن كثير قولا ، وهو أن المسلمة كانت بالخيار إن شاءت فسخت نكاحها وتزوجت بعد انقضاء عدتها ، وإن شاءت انتظرت اه . وهذا القول له وجه ، لأنه بإسلامها لم يكن كفأ لها وإذا انتفت الكفاءة أعطيت الزوجة الخيار ، كقصة بريرة لما عتقت وكان زوجها مملوكا ، ولا يرده قوله تعالى : لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ لأن ذلك في حالة كفر الزوج لقوله تعالى : فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ واللّه تعالى أعلم . وقوله تعالى : وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا يدل على أن الفرقة إذا جاءت بسبب من جهة الزوجة أن عليها رد ما أنفق الزوج عليها ، وكونه الصداق أو أكثر قد بحثه الشيخ رحمة اللّه تعالى عليه في مبحث الخلع في سورة البقرة . وقوله تعالى : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ ، أمر المؤمنين بفك عصمة زوجاتهم الكوافر ، فطلق عمر بن الخطاب يومئذ زوجتين ، وطلق طلحة بن عبيد اللّه زوجته أروى بنت ربيعة ، وعصم الكوافر عام في كل كافرة ، فيشمل الكتابيات لكفرهن باعتقاد الولد للّه ، كما حققه الشيخ رحمة اللّه تعالى عليه ، ولكن هذا العموم قد خصص بإباحة الكتابيات في قوله تعالى : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [ المائدة : 5 ] أي الحرائر ، وبقيت الحرمة بين المسلم والمشركة بالعقد على التأبيد . ومفهوم العصمة لا يمنع الإمساك بملك اليمين ، فيحل للمسلم الاستمتاع بالمشركة بملك اليمين ، وعليه تكون حرمة المسلمة على الكافر مطلقا مشركا كان أو